السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

303

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

فظيعا ، تفرق به جمعهم وتكسر به شوكتهم ليعتبر بهم كل من تحدثه نفسه بنقض العهد . وأصل التشريد التفريق مع الاضطراب « لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 57 ) » يتعظون فلا يجرؤ بعدهم أحد على نكثه . وهذه الآية من قبيل الإخبار بالغيب ، إذ وقعت كما ذكر اللّه تعالى ، لأن حضرة الرسول حكّم فيهم سعدا فحكم فيهم بحكم اللّه ، كما سيأتي في الآية الثانية من سورة الحشر المشيرة إلى هذه الحادثة ، وقد ألمعنا إليها في الآية 27 المارة . وفي هذه الآية وما بعدها فنون من فنون الحرب ودواعيه وما يتعلق به يعلمها اللّه إلى رسوله قبل وقوعها ليطبقها عند الحاجة . ولفظ الدواب يطلق على كل ما دبّ على وجه الأرض من إنسان وحيوان ، وقد جعل اللّه الكافرين من صنف الدواب في هذه الآية لأنهم شرّ منهم ، لأن الدواب الحقيقية لا تضر غالبا وهم يضرون الناس ويكفرون نعم اللّه . قال تعالى « وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ » معاهدين فتتوقع منهم « خِيانَةً » غدرا أو نقضا للعهد مثل بني قريظة « فَانْبِذْ » اطرح وارم عهدهم « إِلَيْهِمْ » وأعلمهم بفسخ المعاهدة ليكونوا على بصيرة من أمرهم ولئلا يقولوا لم تخبرنا بنقض العهد قبل ويتهموك بالنكث والغدر ، حتى تكون أنت وإياهم في علم نقض العهد « عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ( 58 ) » في كل شيء . الحكم الشرعي : إذا ظهرت آثار نقض العهد ممن هادنهم الإمام بأمر ظاهر مستفيض فلا حاجة لنبذ العهد وإعلامهم بالحرب ، وإن ظهرت الخيانة به بأمارات من غير أمر مستفيض فيجب على الإمام إعلامهم بفسخ المعاهدة كما ذكر اللّه وقاية من سمات الغدر ولعلهم يرجعون إلى عهدهم أو يستسلمون ويسلمون . روى مسلم عن جابر عن رجل من حمير قال : كان بين معاوية والروم معاهدة ، وكان يسير نحو بلادهم ليتقرب منهم ، حتى إذا نقض العهد غزاهم ، فجاءه رجل على فرس أو برذون وهو يقول اللّه أكبر اللّه أكبر وفاء لا غدرا ، فإذا هو عمرو بن عينية ، فأرسل إليه معاوية فسأله ، فقال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشدّ عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء . فرجع معاوية . - أخرجه أبو داود - وأخرج النسائي بمعناه . وقد أسهبنا البحث في هذا عند الآية 34 من سورة الإسراء